التنوير العربي: جذوره، مساراته وتحدياته المعاصرة

انطلقت مسيرة التنوير الثقافي في العالم العربي في القرن التاسع عشر متأثرة بالتيارات الفرنسية، وكان للكتاب مثل رفاعة الطهطاوي دورٌ بارز في تمثيل هذه المرحلة من خلال مؤلفه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”.
من القرن العشرين إلى مرحلة الانفتاح
في القرن العشرين استمر التيار الأدبي العربي في التطور، حيث أدّى كواكبي إلى إبراز ضرورة تعريف العرب لأنفسهم كأمة مستقلة، ورفع صوت الانتقاد ضد الاستبداد الذي جسّده النظام العثماني. تلت ذلك كتابات داخلية سعت إلى تأصيل مفهوم الحكم كما جاء في “الإسلام وأصول الحكم” لعلي عبد الرازق وردوده، إضافة إلى محاولات لتجسيد الانفتاح الاجتماعي في مؤلفات قاسم أمين مثل “تحرير المرأة”.
عُقِدت جهود إصلاحية داخل المؤسسات الدينية، أبرزها إصلاح الأزهر على يد محمد عبده، ثم جاء دمج الأفكار الاشتراكية مع التراث العربي وبعض النظريات الفرنسية كديكارت في نصوص طه حسين. كما سعى العقاد إلى تعريف القارئ بالمذاهب والمدارس الفكرية.
الاستعارة الأوروبية وتداخلها مع الفكر العربي
ظهر التأثير الأوروبي بوضوح في تلك الأعمال، إذ لم يقتصر على استيراد المحتوى بل تخلل داخل النصوص. مثال ذلك ديكارت في القرن السابع عشر، الذي رغم دفاعه عن الكنيسة صنّف نفسه كلاهوتي وفق القواعد{“تأ
“}
وبينما يبرز غاليليو في نفس القرن كفاصل هام في تاريخ الأفكار الأوروبية، فقد أبقى ارتباطه بالنسق المسيحي، مشيراً إلى أن “قوة البصر التي نتمتع بها تفوق عشرين مرة ما كان عند أرسطو” في إشارة إلى التلسكوب، مع إظهار احترامه للكتاب المقدس. كذلك إيمانويل كانط لم يتردد في إبداء تعاطفه مع الأخلاق المسيحية في “نقد العقل المحض”، مع تجنبه للإلحاد.
الخطاب المتعنت للكتّاب العرب المعاصرين
في السياق المعاصر، يتبنى بعض المثقفين الذين يُصنّفون أنفسهم ضمن تيار “التنوير العربي” موقفاً يُظهر نفوراً من التراث الديني، أو يطرح انتقادات تبدو وكأنها تهكم على الكعبة أو القرآن. يُستشهد أحياناً بجون لوك من القرن السابع عشر، الذي لم يُظهر تعاطفاً واضحاً في كتاباته عن “المدنية” مع الملحدين، لتبرير مواقف مماثلة.
يبقى أن الفلاسفة الأوروبيون ظلوا في أغلبهم مرتبطين بجذورهم المسيحية، كما هو الحال مع هيغل في القرن التاسع عشر الذي ألف كتاباً مفرداً عن “حياة يسوع”. استغلت اليسار الهيغلي مؤخرًا كتاب شتراوس “حياة المسيح” في نقد السردية الكنسية، ما أثار غضب نيتشه في مطلع القرن العشرين الذي انتقد شتراوس لتعظيمه الدين واصفاً إياه بالتهكم.
التحديات الراهنة للمنهجية العربية
تظهر صورة عامة أن المثقفين والفلاسفة في أوروبا منذ عصر النهضة وحتى عصر الأنوار سادهم تقديس الدين والتمييز بينه وبين التفسيرات الكنسية، مستندين إلى أدوات لغوية ومعرفة تاريخية دقيقة. بالمقابل، يلاحظ أن كثيراً من الأصوات العربية التي تتبوأ صدارة النقاش حول التنوير تتجه إلى أسلوب يشبه خطاب نيتشه وفويرباخ، مع إظهار نفور واضح من الماضي.
يتجاوز ذلك مجرد النقد التراثي إلى ما يبدو كمنكاة صرفة للكتب الدينية مثل صحيح البخاري، أو مؤلفات التفاسير، أو تاريخ الدولة الأموية كما في أعمال البحيري وزيدان، أو حتى منهجية شحرور. يطرح السؤال: هل يمكن اعتبار ذلك تنوراً حقيقياً أم مجرد هجوم سلبي؟
إن كان هناك ما يستحق النقد في التراث، فهو مادة غنية تستدعي التمييز والانتقاء. وعليه، ينبغي على الذين يطلقون على أنفسهم “المتنوّرين” أن يوجّهوا النقد إلى إنتاجهم الخاص، متسائلين إلى أي مدى يساومون تجربتهم الثقافية مع التجربة الأوروبية. كذلك يثير تساؤلاً حول مدى تحول تصريحاتهم إلى جدل يهدف إلى جذب تمويل من جمعيات غربية، متجاوزاً مؤهلاتهم وأدواتهم البحثية.
إن مثل هذه المفارقة لا تقتصر على فكر شوبنهاور الذي انتقد الثقافة الألمانية دون كتابة بالألمانية، بل تظهر في شخصية محمد أركون الذي يكتب بالفرنسية عن التراث العربي. ما يطرح ذلك من سؤال محوري: إلى أين يتجه “التنوير العربي”؟





