الرئيسيةمحلياتحفظ ذاكرة الحارات المكية عبر الكتب:...
محليات

حفظ ذاكرة الحارات المكية عبر الكتب: توثيق تاريخي وثقافي

01/07/2026 13:01

في ظل تسارع وتيرة التحولات العمرانية وتغيّر ملامح المدن، يصبح الحفاظ على الذاكرة التاريخية أمراً ضرورياً، لا سيما في مكة المكرمة التي تحتضن تراثاً حضارياً وإنسانياً فريداً يمتد عبر العصور.

اختفاء الحارات القديمة وتبقى في الذاكرة

شهدت مكة المكرمة خلال العقود الأخيرة سلسلة من مشاريع التطوير التي أدت إلى تعديل أو زوال العديد من حاراتها التقليدية، تلك التي كانت تحمل طابعاً اجتماعياً وإنسانياً خاصاً. وعلى الرغم من اختفائها من المشهد المادي، لا تزال هذه الحارات حية في أذهان سكانها وأبنائها.

وذكر المؤرخ الشيخ محمد طاهر الكردي (رحمه الله) في مؤلفه “التاريخ القويم لمكة المكرمة وبيت الله الكريم” أسماء الحارات التي كانت موجودة عام ١٣٤٣هـ، ومنها: سوق الليل، شعب علي، شعب عامر، السليمانية، المعابدة، جرول، النقا، الفلق، القرارة، الشامية، أجياد، القشاشية، الشبيكة، باب الحارة، والمسفلة.

البداية بالكتابة: أولى المؤلفات المتخصصة

مع تلاشي هذه الحارات من الواقع، انطلقت مجموعة من أبناء مكة في تأليف كتب تستعيد فيها الذكريات وتوثق ملامح تلك الأماكن. انطلقت أولى الجهود عام ١٤٣٢هـ عندما نشر الدكتور زكريا بن يحيى لال (رحمه الله) مؤلفه عن حارة أجياد. وتبعتها الأستاذة نوال الحبشي عام ١٤٣٣هـ بكتاب مخصص لحارة جرول، لتصبح من أوائل النساء التي أهدت حارةً مكيّةً عملاً مستقلاً.

في نفس العام صدر “ذكريات الحارة (السليمانية بمكة المكرمة)” من تأليف حسين حمزة السليماني. ثم تابع الدكتور فوزي ساعاتي في عام ١٤٣٤هـ بإصدار كتابه عن حارة الشامية، بينما أعد الأستاذ عبدالله بالعمش موسوعة مكوّنة من ستة أجزاء عن حارة المعابدة في عام ١٤٣٤هـ، لتكون أول عمل موسوعي شامل يخص حارةً مكيّةً.

استمرار الجهود وتنوع الإصدارات

بعد فترة من التوقف، تجدد الاهتمام بتوثيق الحارات مع استمرار أعمال التطوير وإزالة ما تبقى من أحياء تاريخية. ففي عام ١٤٤٣هـ صدر كتاب “الحجون ومن سكنه لمئة عام مضت” للمهندس محمد جمال أبو شال، ثم جاء عام ١٤٤٤هـ كتاب “سليمانية مكة” للأستاذ عدنان صعيدي.

تلاه عام ١٤٤٥هـ مؤلف الأستاذ عبد القادر مجاهد عن حارات شعب علي والقشاشية وسوق الليل، ثم عام ١٤٤٦هـ كتاب “حارتي جرول” للكاتب طارق محمود سليمان هلال. وفي عام ١٤٤٧هـ توالت عدة إصدارات: “حارة جرول.. مرويات وذكريات” للكاتب محمد الأنصاري، وكتاب عن حارة الشبيكة، و”المسفلة.. تاريخ وعراقة” للأستاذ أسامة عز الدين.

الحنين يمتد إلى الأدب والرواية

لم يقتصر الشغف بالحارات على الدراسات التاريخية فحسب، بل تخلل الأدب والرواية. عبّر الأستاذ عبد الرحمن مليباري عن ارتباطه بحارة الباب من خلال روايته “ولد حارة الباب في حارة الباب”. كما أبدع الدكتور عاصم حمدان (رحمه الله) عام ١٤٣١هـ في كتابه “أشجان الشامية: صور أدبية لمكة المكرمة في العصر الحديث”.

من بين الأعمال التي تناولت الحارات بصورة شاملة، يبرز كتاب “حارات مكة وما فيها” للأستاذ عبد الله أبكر (عام ١٤٢٨هـ) و”الحارة المكية” للدكتور هشام الجيلاني (عام ١٤٤٥هـ). كما أكمل الدكتور فوزي ساعاتي عام ١٤٣٦هـ كتابه “حارات ومعالم حول المسجد الحرام” الذي يُعد مكملاً لعمله عن حارة الشامية.

مصادر حديثة وتحديات النشر

تُعَدّ “موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة” مرجعاً حديثاً يعتمد منهجية تاريخية، حيث احتوت على مقالات متعددة ترتّب الحارات وفق الترتيب الهجائي. إضافة إلى ذلك، صدرت مؤلفات تستهدف أحياءً حديثة مثل كتاب “حي العتيبية.. ذكريات ٥٤ عاماً” للأستاذ أحمد الأحمدي.

تجدر الإشارة إلى أن معظم هذه الأعمال نتجت عن مساعي فردية؛ فقد كُلف المؤلفون بجمع المعلومات، وإجراء الأبحاث، وتحمل تكاليف الطباعة والنشر، أحياناً بدعم من سكان الحارات أنفسهم الذين ساهموا في توفير المواد التاريخية.

رغم الإقبال المتزايد على توثيق حارات مكة، لا تزال بعض الإصدارات الحديثة بحاجة إلى تحسين جودة الإخراج والالتزام بالمنهج العلمي في التوثيق والتحقق.

من المقترحات القيمة أن تتولى الجهات المتخصصة، مثل مركز تاريخ مكة المكرمة أو كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز لدراسات تاريخ مكة المكرمة، وضع دليل أو منهج إرشادي لتوثيق الحارات. سيسهم ذلك في توحيد المعايير العلمية وإخراج أعمال تليق بأهمية مكة المكرمة وتاريخها، لتُحفظ ذاكرة أحيائها للأجيال القادمة.